مقالات

الحذر الحذر من ارتهان نفط الجنوب للاستثمار الخاص

بقلم: احمد موسى جياد
استشارية التنمية والأبحاث /العراق

ارتكب مجلس الوزراء خطأ استراتيجي فادح ستترتب عليه نتائج كارثية مهددة للأمن الاقتصادي الوطني مما يحتم على الجميع الوقوف بقوة وصرامة من اجل اجبار المجلس على التراجع قبل فوات الأوان.

قرر مجلس الوزراء بجلسته يوم 27 شباط 2018 نقل عهدة المرحلة الاولى لمشروع حقن الماء البحري من شركة نفط البصرة الى صيغة الاستثمار استنادا الى توصية خاطئة مضللة من وزارة النفط. ومن الغريب في ألأمر وعلى الرغم من اهمية المشروع وخطورة هذا القرار لم يتم نشر الخبر على الموقع الإلكتروني لكل من الأمانة العامة لمجلس الوزراء او لوزارة النفط.

باختصار, يشكل هذا القرار خطوة خطيرة ومضرة للغاية على انتاج النفط من حقول المحافظات الجنوبية- البصرة وميسان وذي قار ويمثل خصخصة غير مباشرة ولكنها فعالة والسبب ان انتاج هذه الحقول يعتمد بشكل اساسي على توفير المياه الكافية المطلوب حقنها لاستدامة الإنتاج ولتعويض الانخفاض الطبيعي للضغط في المكامن النفطية في الحقول المعنية. وهذا يعني ان انتاج النفط من هذه الحقول سيعتمد كليا على كفاءة ونزاهة ونوايا والتزام المستثمر الخاص سواء كان محليا او اقليميا او دوليا. وهنا تكمن خطورة ألأمر وهنا يتضح فقدان النظرة الاستراتيجية وانعدام افق الأمن الاقتصادي لهذا القرار الكارثة.
فكيف وصل ألأمر الى هذا القرار الكارثي؟

من اساسيات الصناعة النفطية الاستخراجية واقتصاديات تطوير الحقول والمكامن النفطية ان الضغط المكمني الطبيعي يبدأ في التناقص بتزايد الإنتاج؛ وعليه لابد من اعتماد وسائل تعزيز معامل الاستخلاص Recovery Factor لاستدامة الإنتاج بتعويض الانخفاض الحاصل في الضغط المكمني.

وهذا يتم بعدة طرق وبتكاليف وتكنولوجيا مختلفة واهمها بالنسبة للعراق هو حقن الغاز و حقن الماء او بشكل ميكانيكي عن طريق مضخات معينة Submersible pumps. ومن الممارسات المعروفة في الصناعة النفطية ان يتم تحديد توقيت وكمية متطلبات الحقن (الغاز او الماء) وبالتالي طاقة مشروع الحقن كجزء من مشروع تطوير الحقل النفطي.

ان طاقة مشروع حقن ماء كرمة علي قرب حقل الرميلة محدودة ولا تتناسب مع احتياجات الحقول بعد توقيع جولات التراخيص ألأولى والثانية ، إضافة الى تفاقم مشكلة شحة المياه العذبة في المنطقة.

وعليه تم في بداية نيسان 2010 الاعلان مبدئيا عن مشروع عملاق لحقن ماء البحر في حقول غرب القرنة واحد ومجنون و الزبير والغراف والحلفاية اطلق عليه CSSP – Common Seawater Supply Project ، وبطاقة قدرها 12 مليون برميل يوميا من ماء الخليج العربي , وقد اقر مجلس الوزراء في 21 أيلول 2010 المشروع وتولت شركة أكسن موبل ريادة المشروع حيث يتم تمويله بشكل مشترك من قبل الشركات المنتفعة من المشروع على اساس استرداد الكلفة المعتمد في عقود جولات التراخيص.

لقد واجه المشروع عدة عقبات حالت دون الاستمرار فيه : الاولى هي ارتفاع الكلفة التي قدرت في حينها بحوالي 20 بليون دولار؛ والثانية هي الخلاف حول ادارة المشروع والقلق من هيمنة أكسن موبل والثالثة تتعلق بتزايد الشكوك في امكانية تحقق انتاج الذروة حسب العقود الموقعة وبداية التفكير الجدي بتخفيضه. وهذا يعني بالضرورة تخفيض طاقة مشروع الحقن وبالتالي كلفته, والاخيرة هي استبعاد أكسن موبل بعد توقيعها عقود مع حكومة اقليم كردستان بدون موافقة الحكومة الاتحادية.

وبسبب التأخير في تنفيذ المشروع لجأت الشركات النفطية الى تبني الحلول المرحلية حيث قام ائتلاف حقل الرميلة بتحديث والاستفادة من مشروع حقن الماء في كرمة علي في حين عملت الشركات المطورة لحقول الزبير وحقلي غرب القرنة لاستخدام المياه المالحة من “النهر الثالث – المصب العام الذي يحمل مياه البزل من الناصرية الى قناة شط البصرة”.

اعلنت وزارة النفط في شهر ايار 2012 دعوة للشركات المختصة تقديم عروضها لإدارة المشروع بدلا من اكسن موبل وفعلا فازت الشركة ألأمريكية CH2M Hill بعقد ادارة المشروع PMC بكلفة 162 مليون دولار وذلك في شهر تشرين اول/اكتوبر 2012، وبعد سنة تم تحديد طاقة المرحلة ألأولى بحدود 6.7 مليون برميل يوميا بكلفة 5 مليار دولار وسيتم توفير الماء في الربع الأخير من عام 2017.

إلا ان بداية تدهور اسعار النفط وتأثير داعش قد ساهمت في تعثر تنفيذ المشروع وفي الربع ألأخير من عام 2015 عادت شركة اكسن موبل الى الواجهة من جديد ولكن هذه المرة مع شركة بتروجاينه وربط مشروع حقن الماء بتطوير حقلي نهر عمر وارطاوي.

بعد التعديل الوزاري ألأخير وجه الوزير الحالي جبار لعيبي شركة نفط الجنوب بدعوة الشركات العالمية المتخصصة لتنفيذ مشروع ماء البحر وذلك في 5 تشرين ثاني 2016.ولكن بدلا من اجراء الدعوة وانتظار نتائجها والتركيز على مشروع حقن الماء وتوصيات الشركة الاستشارية المذكورة اعلاه قام الوزير بالترويج لمشروع مختلف غير مدروس بشكل جيد وهو “مشروع جنوب العراق المتكامل Southern Iraq Integrated Project (SIIP) والذي يتضمن مكونات اخرى الى جانب حقن الماء ثم بدء في مناقشات سرية مع شركة اكسن موبل فقط استمرت لعام كامل لم تسفر عن أي شيء.

ومن الجدير بالذكر بانه لم يتم توفير أية تفاصيل مهمة عن تلك المفاوضات باستثناء تصريحات غير متزنة ومتناقضة كالمعتاد لوزير النفط والتي اشارت و عملت منذ البداية على اضعاف الموقف التفاوضي للعراق لصالح أكسن موبل.

فقد صرح الوزير في شهر كانون اول 2016 “ان العراق ارتكب خطأ فادح عند سحب هذا المشروع من أكسن موبل في 2012”. ان أي مبتدئ في المفاوضات الدولية لا يمكن ان يرتكب مثل هذا الخطأ الاستراتيجي!! وفي شهر شباط وخلال زيارة الوزير للولايات المتحدة وعلى حد قوله “بعد تناول العشاء مع المدير التنفيذي لشركة أكسن موبل فقد قطعت مرحلة جيدة وسوف نوقع العقد في نهاية العام”.

وهنا ارتكب الوزير خطا تفاوضي فادح أخر مما يدلل على استعداده لقبول شروط الشركة علما ان المفاوضات لازالت في مراحلها ألأولى.

واستمرت المفاوضات خلف الأبواب المغلقة وانعدام كامل للشفافية لحين زيارة المدير التنفيذي لشركة أكسن موبل براد كارسون لبغداد في شهر تشرين اول/اكتوبر 2017حيث ” اكد الوزير ان الوزارة قطعت شوطا كبيرا في المباحثات مع شركة اكسن موبل التي دخلت مراحلها النهائية للتوصل الى اتفاق نهائي معها للاستثمار في مشروع الجنوب المتكامل والذي يشمل تطوير حقول نهر عمر وارطاوي ، فضلا عن مشاريع تطوير وتوسيع منظومة التصدير وزيادة الطاقة الخزينة ومشروع حقن الماء ومد الانابيب والبنى التحتية ومشاريع خدمية اخرى في محافظة البصرة” ما هذا التخبط وعدم الوضوح وخلط الاوراق وعدم التمييز بين المشاريع الاستراتيجية الملحة والخدمية ولماذا التركيز على هذه الشركة فقط.

وهنا ارتكب الوزير الخطأ الفادح الأخير ونظرا لان المفاوضات قد وصلت مراحلها النهائية (المعروفة في علم المفاوضات مرحلة عنق الزجاجة: حين يكتشف الطرف التفاوضي انه قدم- بسبب الإهمال او عدم الخبرة- تنازلات مهمة تضر بمصلحته بشكل فاعل ) فقد تعزز الموقف التفاوضي للشركة بشكل كبير.

وفي هذه الحالة وجد الوزير نفسه امام خيارين: اما الاستسلام وقبول شروط الشركة او رفضها؛ وقد صرح الوزير في 25 كانون اول 2017 ان الوزارة “لم تتوصل بعد لاتفاق مع إكسن موبل بشأن مشروع بمليارات الدولارات لزيادة إنتاج عدد من الحقول النفطية الجنوبية”. وأضاف أن “المشروع سيعرض على شركات أخرى إذا لم يتم التوصل لاتفاق مع إكسن بحلول شباط المقبل” صح النوم!

ومن الغريب حقا انه لم يتم التطرق مطلقا الى هذا المشروع خلال لقاء الوزير مع ممثل شركة أكسن موبل في العراق طاهر حامد وذلك في يوم 28 شباط 2018 – أي بعد يوم واحد من قرار مجلس الوزراء المشار اليه سابقا. فهل حسم الموقف ام ان الوزير لازال يطمح باتفاق مع اكسن موبل؟؟ ولكن المثير للقلق هو ما صرح به مدير عام دائرة العقود في الوزارة عبد المهدي العميدي على هامش مؤتمرCWC المنعقد في برلين 26-28 شباط 2018، “في البداية عندما نوقش المشروع مع الأطراف، كان معدل الإنتاج الأولي من الحقلين في حدود 40 ألف برميل يوميا لكنه يزيد الآن على 125 ألف برميل يوميا، وسيؤثر هذا تأثيرا كبيرا على اقتصاديات المشروع، بحيث أنه يؤثر على العامل الاقتصادي وعلى حصة الأرباح أو ربح الشركة”.

وهذا يشير وبكل وضوح ان طبيعة العقد الذي كان الوزير يناقشه لمدة سنة كاملة مضر بمصلحة العراق وهو ما يؤكد ملاحظاتنا السابقة يشأن اخطائه الاستراتيجية المتتالية وضعف خبرته التفاوضية. والأسوأ من كل ذلك وبسبب كل ذلك وفقدان النظرة الاستراتيجية وخاصة اعتبارات ألأمن الاقتصادي اقترحت الوزارة على مجلس الوزراء احالة المشروع للاستثمار الخاص!

ما الحل اذا؟

في ضوء ما تقدم اقترح ما يلي:

اولا: الغاء قرار مجلس الوزراء المشار اليه فورا.

ثانيا: تشكيل لجنة فنية عليا يمثل فيها كوادر متقدمة وذات خبرة من شركات نفط البصرة وميسان وذي قار وشركة المشاريع النفطية (سكوب) ورؤساء لجان الإدارة المشتركةJMC العراقيين في الحقول الجنوبية وديوان الوزارة (وكيل الوزارة لشؤون الاستخراج ودائرة العقود وغيرها من ذات العلاقة المباشرة ) .

ثالثا: تنحصر مهمة اللجنة اعلاه بالعودة الى توصيات الشركة ألأستشارية CH2M Hill ودراسات FEED التي تمت ومراجعتها لتحديد المراحل العملية لتنفيذ المشروع وطاقة كل مرحلة بما يتناسب وتوقعات الإنتاج من الحقول المعنية وتقدير الكلفة الرأسمالية لكل مرحلة وخاصة المرحلة ألأولى . يتم التنفيذ المرحلي بالجهد الوطني وكذلك باعتماد صيغة EPCعند الضرورة.

رابعا: تنجز اللجنة اعلاه تقريرها خلال اقصر مدة ممكنة (شهرين كمدة قصوى) على ان لا يتدخل الوزير بعمل اللجنة بشكل مباشر او غير مباشر. تقدم اللجنة نتائجها الى هيئة الراي في الوزارة لمناقشتها بحضور الوزير وبعد اقرارها بشكل نهائي ترفع الى مجلس الوزراء.

خامسا: يقرر مجلس الوزراء تخصيص المبالغ الضرورية لتنفيذ المشروع واعطائه الأولوية لأهميته الاستراتيجية وذلك بتخصيص جزء من العوائد الناجمة عن الفرق بين سعر النفط الفعلي والمعتمد في قانون الميزانية لهذا العام لتمويل متطلبات المشروع لهذا العام ويتم تكرر ذلك للأعوام القادمة لحين انجاز المشروع بكافة مراحله.

سادسا: بعد اقرار مجلس الوزراء للمشروع يتم تشكيل تنظيم اداري دائم للمشروع وتوفير كل المتطلبات اللوجستية لضمان تنفيذه ثم تشغيله والاعداد للمرحلة اللاحقة.

لأهمية الموضوع وخطورته فإنني ادعو كافة المعنيين والمخلصين الى الوقوف بحزم ضد توجهات الوزارة ومجلس الوزراء التي تعمل على احالة هذ المشروع الاستراتيجي الحساس الى الاستثمار.

ملاحظة: المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تمثل رأي موقع الرصافي نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق